الشيخ عبد الغني النابلسي
111
كتاب الوجود
انتهى كلامه ، وهو كلام معلوم عند أهل الجهل وأهل العلوم ، وهذا كله هو المعنى الأول للوجود « 1 » ؛ وهو المعنى المفهوم المخلوق في فهم كل أحد ، المتصور بخيال العقل الظاهر لكل أحد ؛ لأنه هو المعنى المفهوم صح حيث وصفناه بالبداهة ، وهو معنى يوصف عند العقل والحس كل موجود ؛ سواء كان الموجود قديما أو حادثا ، محسوسا أو معقولا ، أو موهوما ، ولا يخرج عنه موجود أصلا ، وكل ما عداه من الموجودات مفتقرا إليه ، وهو ليس مفتقرا إلى شيء غيره ؛ إذ لا يقال بأن الوجود موجود لأن معنى موجود شيء له الوجود ؛ أي صفته الوجود في العقل ، فكل شيء موصوف بالوجود في فهم العقل وليس الوجود موصوفا بنفسه ؛ لأن الصفة لا بد أن تغاير الموصوف بها ولو بالاعتبار ، ولا اعتبار مع الموجود ليساوى الوجود حتى يكون الوجود صفة لذلك الاعتبار « 2 » ، ولو كان لكان ذلك الاعتبار وجودا ، وذلك الوجود اعتبارا وهو محال ، فالوجود بهذا الاعتبار معنى مخلوق عقلي خيالي ، وهو لا حقيقة له إلا في العقل والخيال ، ظاهر بالبداهة للعقل والخيال ، لا يصلح أن يكون قديما ، ولا يصلح أن يشار به إلى القديم ، لا باعتبار أنه عين ذات القديم ، ولا باعتبار أنه وصف من أوصاف القديم « 3 » .
--> ( 1 ) إن كان ابن عربى قد لامس وحدة الوجود ، إلا أنه في حيرة أمام حقيقتها ، فنراه يتساءل : هل الموجودات انتقلت من حال العدم إلى حال الوجود ؟ أم أدركت أعيان الممكنات بعضها بعضا في عين مرآة وجود الحق ، وهي على ما هي عليه من العدم ؟ أم أدركت بعضها البعض عند ظهور الحق فيها ، فظنت أنها استفادت الوجود وليس إلا ظهور الحق ؟ وهكذا نرى ابن عربى في حيرة أمام طبيعة إدراك الأعيان الثابتة لذاتها ، وإدراك بعضها لبعض . [ التصوف الفلسفي ( 56 ) ] . ( 2 ) القائلون بالحدوث يقولون لأهل القدم : « إذا كان اللّه تعالى لم يزل جوادا خالقا قديما في الأزل ، فالحوادث في العالم كيف وجدت ؟ أعن القديم أم عن غيره ؟ فإن قلتم : هو خالقها ، وعنه صدر وجودها ، فقد قلتم بأن القديم خلق المحدث وأراد خلقه بعد أن لم يرد ، وإن قلتم : إن غيره خلق الحوادث ، فقد أشركتم بعد ما بالغتم في التوحيد لواجب الوجود بذاته » [ أبو البركات البغدادي في المعتبر في الحكمة : 3 / 44 - 45 ) ] . ( 3 ) قال في المعجم الصوفي ، ( ص 200 ) - طبعة دار الرشاد : « يطلق القديم على الموجود الذي لا يكون وجوده من غيره ، وهو القديم بالذات ، ويطلق القديم على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقا بالعدم ، وهو القديم بالزمان ، وكل قديم بالذات قديم بالزمان ، وليس هذا سوى اللّه » .